سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

55

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

. . . ترك جمال الدين روسيا وأخذ يجول في أوروبا وأقام في « لندرا » أياما تلقته رجال السياسة فيها ، كما تلقوه في غيرها من العواصم بالإكرام والإجلال ودعوه إلى مجتمعاتهم السياسية وأنديتهم العلمية ، ليروه ويسمعوا حديثه وكان أكبر همّه وأكثر كلامه ، في بيان سوء تصرف الشاه في المملكة واستبداده وما آلت إليه حالها في عهده ، يريد في كل ذلك تمهيد السبيل ، لأحرار إيران وعدم معارضة الإنجليز لهم ، إذا هم نهضوا لقلب حكومة الاستبداد بحكومة دستورية . صادف وجود جمال الدين متجولا في أوروبا فتح معرض « باريز » سنة 1889 م فشخص إليها والتقى بالشاه في « منيخ » عاصمة « باواريا » عائدا من باريز ، فاستزاره واعتذر له عما فرط وعتب عليه بعدم عودته إلى طهران وأخيرا دعاه إلى مرافقته ، فأجاب جمال الدين الدعوة وسار مع الشاه إلى بلاد فارس ، فلم يكد يصل إلى طهران حتى عاد الناس وفي مقدمتهم الأمراء والعلماء إلى الاجتماع به والانتفاع بعلمه ، والشاه لا يرتاب من أمره وأول ما كلفه به ، أن يسن ما يراه موافقا لروح العصر من القوانين - ربما كان ذلك من الشاه بتأثير سياحته في أروبا - فعمل جمال الدين ، بهمته المعهودة ، فسنّ القانون الأساسي ، لمملكة فارس لتكون : حكومة ، ملكية ، شوروية ، فما أتم قواعد الدستور الكلية ومواده وأطلع عليه الشاه ناصر الدين ، إلا وأعظم الأمر ، إذ رأى أن حكمه سيكون مقيدا ، وأن أهل فارس ، سيكونون أوسع سلطة من الشاه ، بمجلسهم النيابي . فقال لجمال الدين : « أيصح أن أكون يا حضرة السيد وأنا ملك ملوك الفرس ، ( شهنشاه ) كأحد أفراد الفلاحين » ؟ فقال جمال الدين : « أعلم يا حضرة الشاه أن تاجك وعظمة سلطانك وقوائم عرشك ، سيكونون بالحكم الدستوري أعظم وأنفذ وأثبت مما هم الآن . والفالح والعامل والصانع في المملكة يا حضرة الشاه ، انفع من عظمتك ومن امرائك واسمح لإخلاصي أن أؤديه ، صريحا قبل فوات وقته . لاشك يا عظمة الشاه أنك رأيت وقرأت عن أمة استطاعت أن تعيش بدون أن يكون على رأسها ملك ، ولكن هل رأيت ملكا عاش بدون أمة ورعية ؟ » .